Pages

السبت، 21 يناير، 2012

متهماً الليبراليين في مصر بالجهل .. عمرو حمزاوي يكتب : ليبراليون من منازلهم!



http://elmokhalestv.com/news_images/180811_183257035043361_182742455094819_368435_2328151_n.jpg 


يبدو أن قدر الليبرالية في مصر أن لا تعاني فقط من جهل خصومها بها، بل أيضا من جهل كثيرون ممن يتشدقون بها ويدعون الانتساب إليها. فإذا كان الخصوم يرادفون ظلما بين الليبرالية ومعاداة الدين ويتهمون الليبراليين دون وجه حق بالعمل على إخراج الدين من الحياة الخاصة والعامة، فأن متشدقين بالدفاع عن الحريات يرفضون الرأي الآخر ويقصون المختلفين معهم بديكتاتورية وبعنف لفظي وبحقائق مجتزئة ويبتلون الليبرالية من ثم بسلبيات تفض الناس من حولها ولا تجمعهم.

إلا أن أخطر ما في ممارسي الديكتاتورية باسم الليبرالية، والكثير منهم يسكن عالم التويتر والفيسبوك، هو محدودية معرفتهم بالفكرة الليبرالية التي لا يدركون منها ولا من المضامين القانونية والسياسية المرتبطة بتطبيقاتها في المجتمعات المعاصرة إلا القشور.
البعض من محدودي المعرفة هؤلاء أثار ضجيجا لم يهدأ إلى اليوم بعد تأييدي (في برنامج على قناة الناس) لحظر المواقع الإباحية على الانترنت واتهمني بالتخلي عن الليبرالية وقبول تقييد حريات الأفراد حماية لما أسميته الصالح العام صنفني في زمرة المتلونين وممالئي التيارات الدينية. وتمادى فريق في التسفيه والتسطيح بالدفع بأن من يقبل اليوم بحظر المواقع الإباحية سيطالب الغد بإجبار المواطنين على الصلاة وتنظيف الأسنان وممارسة الرياضة حماية أيضا للصالح العام. فريق آخر استدعى، دون معرفة، خبرة المجتمعات الغربية المعاصرة زاعما أنها لا تحظر مواقع على الإطلاق وأن أولى قواعد الليبرالية هي الامتناع عن فرض قيود على حريات الأفراد.
لهؤلاء وللرأي العام أقول أن جوهر الفكرة الليبرالية هو تعظيم الحريات الشخصية والمدنية للفرد وتمكينه من إدارة حياته باستقلالية ودون وصاية. أما في السياق المجتمعي بمجاليه القانوني والسياسي فأن جوهر الفكرة الليبرالية يتطور ليصبح ضمان الحرية والمساواة والعدالة والأمن لكل الأفراد ومن ثم تحقيق الصالح العام. ضرورة المزج بين تعظيم الحريات الفردية وتحقيق الصالح العام تضع المجتمعات الليبرالية دوما في مواجهة تحديات ترتبط بثنائية السماح والمنع وترتب إستجابات متنوعة (ومتغيرة) في المجالين القانوني والسياسي تفرض بعض القيود والضوابط على حريات الفرد وسلوكه الشخصي.
يحظر العدد الأكبر من المجتمعات المعاصرة قانونا التعددية الزوجية (زوجات وأزواج) ويقيد بذلك الحرية الفردية والسلوك الشخصي باسم الصالح العام، تماما كما تقيد حرية الفرد بإجباره على التعلم (التعليم الأساسي) ودفع ضرائب للخزانة العامة وأداء الخدمة العسكرية أو المدنية والحيلولة بينه وبين ممارسة العنف. وفي المجال السياسي، تجرم مجتمعات ليبرالية كثيرة الأفكار العنصرية وخطابات الكراهية والعنف وتترجم هذا التجريم لحظر للوسائط الناقلة لمثل هذه الأفكار والخطابات من صحف ومطبوعات وقنوات تليفزيونية ومواقع إلكترونية. 
أما المواقع الإباحية على الانترنت، والتي هاج وماج المتشدقون بالدفاع عن الحرية ما أن أيدت حظرها في مصر، فتخضعها الكثير من المجتمعات الليبرالية لقيود مختلفة تصل للحظر في حالات عدة. على مستوى الاتحاد الأوروبي، تعد لجنة "حريات المواطنين والعدالة والشئون الداخلية" بالبرلمان الأوروبي منذ 2009 تشريعا يلزم جميع دول الاتحاد ال27 بحظر أو حذف المواقع الإباحية التي تستغل النساء القصر أو الأطفال وتتجر بأجسادهم. دون المستوى الأوروبي العام وبالنظر للتشريعات الراهنة، تشترك كل من الدنمارك والسويد والنرويج وفنلندا وإيطاليا وسويسرا بموافقة برلماناتها في مصفاة إلكترونية (child sexual abuse anti distribution filter) 
تهدف لمواجهة الإستغلال الجنسي للنساء القصر والأطفال بحظر المواقع الإلكترونية التي تروج لها. كذلك تعطي القوانين البريطانية شرعية لمنع نفس المواقع من خلال مصفاة إلكترونية أخرى (content filer system clean feed). 

وفي ألمانيا، مرر البرلمان في 2009 تشريعا يحظر المواقع هذه بعد مبادرات عديدة من جمعيات حماية النساء والأطفال ثم استبدل التشريع بآخر في 2011 يقضي بحذف المواقع وليس مجرد حظرها.
غير صحيح إذا أن المجتمعات الليبرالية لا تفرض بعض القيود والضوابط على حريات الفرد، ومن العبث مرادفة تأييد حظر مواقع إباحية تتاجر بأجساد النساء القصر والأطفال حماية للفئتين وضمانا للصالح المجتمعي العام بالتخلي عن الليبرالية والتنازل عن الدفاع عن الحرية. الأجدر بطائفة الليبراليين من منازلهم، التي ابتلينا بها في مصر من بين كوارث أخرى، استثمار بعض الوقت في القراءة حول التنزيل القانوني والسياسي للفكرة الليبرالية عساهم يدركون منها ما يتجاوز القشور.
إلا أن حديث القيود والضوابط، والذي لم أكن لأتطرق إليه لولا الضحالة والإسفاف البالغين لليبراليين من منازلهم، ينبغي أن لا يلهينا عن أن المطلوب في مصر المتطلعة اليوم للديمقراطية هو صياغة وتنفيذ أجندة تشريعية ليبرالية تضمن حقوق الإنسان وتعظم الحريات الشخصية والمدنية بعد عقود القمع والاستبداد. أجندة تشريعية تعيد النظر في القوانين المعمول بها في مجالات الطفولة والأمومة والأسرة وحقوق المرأة وضمانات الحقوق الاقتصادية والاجتماعية (من المسكن الآمن والتغذية الجيدة إلى التعليم والرعاية الصحية والمعاشات) والسياسية للمواطن، وكذلك تلك المنظمة للحريات الأساسية (حرية العقيدة وحرية التعبير عن الرأي وحرية البحث العلمي وحرية الفكر والفن والإبداع) والأصل بها جميعا الإطلاق وانتفاء القيود. 

بالقطع ليس لحظر مواقع إلكترونية (وما كان حديثي عن الأمر إلا في سياق رد على سؤال لمحاور لم أرغب في التهرب منه) أن يشكل أولوية لبرلمان ثورة أرادت الديمقراطية والعدالة الاجتماعية ، بل الأجدر هو التركيز على الحقوق والحريات التي نحتاج للتأسيس لها تشريعيا وسياسيا.

0 comments:

أخي الحبيب اعلم أن رأيك يهمنا , فإن كان نقداً فسيجعلنا نصلح من أنفسنا , وإن كان مدحاً فهو وسام على صدورنا , رجاء تجنب استعمال التعليقات لبث روابط إعلانية. كذلك ننبه إلى ضرورة الالتزام بصلب الموضوع و عدم الخروج عليه و لمزيد من التوضيحات يمكنك أخي الزائر قراءة سياسة الاستخدام الخاصة بالمدونة , وتذكر قول الله عز وجل (( مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ))

إرسال تعليق